محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
216
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
« التعريف » الذين ينظرون إلى ما منّ اللّه تعالى إليهم . قلت : وما ذكرته هنا من لفظي : التعريف ، والتكليف ، وما نبهت به عليهما من الكلام اللطيف أشرت به إلى مسألة عظيمة مهمّة ، ينبني عليها آداب وأحكام جمّة « 1 » ، وهي مسألة اختلاف الناس في معاملاتهم لربّهم بحسب نيّاتهم في مراتب قربهم . ومن أحكامها مسألة « التعبير » التي اقتصر المؤلف عليها في هذا الفصل ، ولم يذكر معها سواها مما ينبني على ذلك الأصل ، وقد نبّه عليها في « لطائف المنن » وأتى فيها بكلام مستوعب حسن فرأينا أن ننقله هاهنا بكماله ؛ ليتبين به مقصدنا في تفصيله وإجماله ، قال فيه : « . . . وقال شيخنا ( يعني شيخه أبا العباس ) : الناس على ثلاثة أقسام : عبد هو بشهود ما منّه إلى اللّه . وعبد هو بشهود ما منّ اللّه إليه . وعبد هو بشهود ما منّ اللّه إلى اللّه » . ومعنى كلام الشيخ هذا : أن من الناس من يكون الغالب عليه شهود تقصيره وإساءته ، فيقوم مقام المعتذر بين يدي اللّه تعالى ، وتلازمه الأحزان ، وتحالفه الأشجان ، ويستولى عليه الكمد كلما بدت منه سيئة ، أو كشف له من نفسه عن أوصاف سوء ، وعبد آخر الغالب عليه شهود ما منّ اللّه إليه من الفضل والإحسان والجود والامتنان ، فهذا تلازمه المسرّة باللّه والفرح بنعمة اللّه ، قال اللّه عزّ وجلّ : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] ؛ فالأول حال العبّاد والزهّاد ، والثاني حال أهل العناية والوداد ، الأول شأن أهل التكليف ، والثاني شأن أهل التعريف ، الأول حال أهل اليقظة ، والثاني حال أهل المعرفة ؛ فلذلك قال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « العارف من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من اللّه عليه ، وعرف إساءته في إحسان اللّه إليه فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الأعراف : 69 ] . وقال رضي اللّه عنه : « قليل العمل مع شهود المنّة [ من اللّه ] خير من كثرة العمل مع رؤية التقصير من النفس » . وقال بعض أهل المعرفة : « لا يخلو شهود التقصير من الشرك في التقدير » . وقال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه عنه : « قرأت ليلة من الليالي : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلى أن انتهيت إلى قوله تعالى : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ الناس : 1 - 6 ] فقيل لي : شرّ الوسواس وسواس يدخل بينك وبين حبيبك ، ينسيك ألطافه الحسنة ، ويذكرك أفعالك السيئة ، ويقلل عندك
--> ( 1 ) الجم : الكثير من كل شيء .